تونس والجزائر والمغرب ما قبل التاريخ ما هي الاختلافات التي أظهرتها دراسة جينية غير مسبوقة؟

الجمعة - 04 أبريل 2025 - الساعة 12:43 ص بتوقيت العاصمة عدن

المغرب العربي " عدن سيتي " ربيع أوسبراهيم : متابعات




تونس والجزائر والمغرب ما قبل التاريخ.. ما هي الاختلافات التي أظهرتها دراسة جينية غير مسبوقة؟



في المنطقة المغاربية، تعتبر الدراسات العلمية حول حقبة العصر الحجري الحديث قليلة. وحاولت دراسة جديدة نُشرت في مجلة "نيتشر" سدّ الفراغ فيما يخص هذه الحقبة التي شهدت الثورة الزراعية للبشر. وأظهر البحث الذي اعتمد على التحليل الجيني (DNA) حركة هجرة لسكان أوروبا قدموا من الضفة الشمالية للبحر المتوسط إلى شمال إفريقيا. كما أظهر اختلافات في وتيرة تبني نمط الحياة الزراعي بين شرق المنطقة المغاربية وغربها. فما حجم هذه الاختلافات؟


يُشكل تاريخ الدول المغاربية القديم، في أواخر العصر الحجري، لغزا لعلماء الآثار منذ عقود. قليلة هي الدراسات في هذا المجال مقارنة بأوروبا والشرق الأوسط. يتعلق الأمر بفترة زمنية فارقة في تاريخ البشرية، مرحلة الانتقال من نمط حياة كان يعتمد فيها الإنسان على الصيد وجمع الثمار إلى نمط حياة بدأ يسيطر فيه البشر على الطبيعة عبر تدجين الحيوانات وتربيتها من جهة، وتطوير نشاط زراعي يوفر لهم قوتهم من جهة ثانية. تعرف هذه المرحلة بالثورة الزراعية أو ثورة العصر النيوليثي والتي بدأت في الهلال الخصيب في الشرق الأوسط وانتشرت إلى أوروبا حسب دراسات وفيرة. لكن، ماذا حصل آنذاك في الدول المغاربية في شمال إفريقيا غرب مصر؟


هذا ما حاولت الإجابة عنه دراسة نشرت في 12 من مارس/أذار في مجلة "نيتشر" العريقة. واهتم باحثون من تونس والجزائر والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا والنمسا ببقايا هياكل عظمية بشرية وُجدت في شرق المنطقة المغاربية، في تونس وشمال شرق الجزائر، كان قد عثر عليها سابقا في عمليات تنقيبية، خاصة في مناطق Doukanet El Khoutifa و Djebba وHergla في تونس وAfalou Bou Rhummel قرب بجاية في الجزائر. تلك البقايا هي لتسعة أشخاص عاشوا في أزمنة مختلفة تغطي فترة تتراوح تقريبا ما بين 10.000 إلى 6.000 عام قبل عصرنا الحالي.


بقايا بشرية عثر عليها في مواقع تنقيب أثرية © مجلة Nature
تم تحليل تلك البقايا العظمية تحليلا جينيا عبر استخراج ما تبقى من حمض نووي فيها وقراءته ومقارنته بهدف معرفة التركيبة الجينية لأصحاب تلك العظام. واعتمد الباحثون أيضا على دراسات مماثلة سابقة أنجزت في غرب المنطقة المغاربية، في المغرب.


أقدم دليل على هجرة أوروبية



وتمّ اكتشاف أقدم دليل على تخالط سكان شمال إفريقيا مع سكان قادمين من أوروبا في العصر الحجري الحديث. فقد أظهر تحليل بقايا رجل عثر عليه في Djebba في تونس أن حمضه النووي يحمل 6 في المائة من أصول أوروبية. وعاش الرجل قبل ثمانية آلاف عام تقريبا. وأتت أصول الرجل الأوروبية من أجداد من الصيادين وجامعي الثمار قدموا وحلوا بالمنطقة. هو أقدم دليل جيني على حركة هجرة من أوروبا نحو شمال إفريقيا عبر البحر المتوسط، وذلك قبل أكثر من 8.500 عام. ويُرجح الباحثون أن القادمين من أوروبا جاؤوا عبر مضيق صقلية بزوارق صغيرة وربما تنقلوا عبر جزر صغيرة متقاربة كانت تفصل تونس وإيطاليا اختفى عدد منها في عصرنا الحالي.
واستمرت الحركة السكانية بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط بعد هذه الفترة لآلاف السنين، كما تظهر الدراسة الجديدة ودراسات سابقة خاصة في المغرب. وبعد فترة الصيادين وجامعي الثمار الأوروبيين حلّ بعد ذلك سكان أوروبا الذين اعتمدوا نمط الحياة الجديد خلال العصر النيوليثي، أي الثورة الزراعية
وتظهر الدراسة الجديدة أنه في شرقي المنطقة بقي التخالط مع الأوروبيين محدودا على مدى آلاف السنين. لا يتجاوز التأثير الجيني للأوروبيين خلال العصر النيوليثي 20 في المائة فقط. بينما في غربي المنطقة، وفي المغرب بالتحديد، يصل التأثير الجيني للأوروبيين في نفس الفترة إلى 80 في المائة في بعض الأحيان.


نسب التمازج الجيني في بقايا بشرية عثر عليها شمال إفريقيا © مجلة NATURE
بالتوازي مع ذلك، وحسب الآثار التي عُثر عليها في المنطقة، يُلاحظ أن تبني الزراعة في شرقي المنطقة المغاربية كان محدودا ولم ينتقل السكان هناك إلى النمط الجديد بشكل كامل إلا قبل 3.000 سنة تقريبا. ما يعني أن المنطقة بقيت معزولة إذا فيما قد يُعتبر مقاومة ثقافية لسكان المنطقة كما تقول بعض المقالات التي تحدثت عن الاكتشاف الجديد. أما غربا، في المغرب بالتحديد، عُثر على عدة دلائل أثرية عن انتقال أكثر سرعة إلى نمط الحياة الزراعية مع اختلاط أكبر مع المزارعين القادمين من أوروبا عبر مضيق جبل طارق.
وتبقى كل هذه استنتاجات الباحثين انطلاقا مما اكتُشف حتى الآن في شمال المنطقة المغاربية قرب الساحل خلال العصر النيوليثي. تعتبر استنتاجات جزئية في الزمان والمكان في انتظار أن يصل حجم البحث العلمي والأثري في المنطقة المغاربية إلى المستوى المأمول لسد فراغ لا يزال كبيرا.




إعداد:
ربيع أوسبراهيم







مواقع المجموعة France Médias Monde

متعلقات