حضرموت ... هونغ كونغ السعودية 2030.

الخميس - 27 مارس 2025 - الساعة 01:55 ص بتوقيت العاصمة عدن

تقرير "عدن سيتي" حجيلان بن حمد



في السياسة الدولية لا تُقاس الجغرافيا بحجمها بل بوظيفتها في إعادة توزيع موازين القوة.
حضرموت في هذا السياق تمثل فرصة استراتيجية لإعادة إنتاج النموذج الإداري في جنوب الجزيرة العربية
على نحو يُشبه من حيث المبدأ لا الشكل ما شكّلته هونغ كونغ للصين.

ما فعلته بريطانيا في هونغ كونغ لم يكن غاية استعمارية بل مشروع طويل المدى لبناء نموذج إداري منفصل عن المركز الصيني
أُدير بأنظمة قانونية مستقلة ضمن سيادة دولية واضحة
فأصبح لاحقًا بوابة الصين إلى التحديث والانفتاح الاقتصادي.

اليوم تملك المملكة العربية السعودية فرصة مماثلة
لكن بأدوات مختلفة وبروح عربية واضحة
حضرموت يمكن أن تتحول إلى منصة متقدمة داخل اليمن
تُدار بكفاءة واستقرار وتُشكل لاحقًا نقطة انطلاق لإعادة بناء اليمن من جديد.

ليست حضرموت بحاجة إلى الضم
وليست المملكة بصدد التوسع
بل ما هو مطروح هو تأسيس نموذج إداري متقدم يُدار من خلال اتفاق قانوني واضح ضمن رؤية وطنية
حضرموت تحت الإدارة السعودية لن تكون عبئًا بل أصلًا استراتيجيًا
فهي تمتلك ساحلًا طويلًا وموقعًا مفتوحًا على المحيط وعمقًا تجاريًا وتاريخيًا لكنها تفتقر إلى الحوكمة الفاعلة.

الإدارة الناجحة لا تبدأ بالقوانين فقط بل بالمؤسسات العاملة
بناء هياكل إدارية واضحة وربطها بالاقتصاد الإقليمي وتمكينها من الحماية الأمنية المحلية
كلها عناصر تحول حضرموت من فراغ إلى منصة.

المقارنة مع هونغ كونغ :

حين استأجرت بريطانيا هونغ كونغ كانت هناك ثلاثة أهداف رئيسية
تحقيق وجود تجاري دائم في آسيا
إدارة منفصلة عن المركز الصيني التقليدي
وتوفير بيئة قانونية مستدامة للاستثمار الأجنبي

نجح المشروع لأنه لم يكن مبنيًا على القوة وحدها بل على التنظيم
أُديرت هونغ كونغ بقواعد قانونية دقيقة
وتحولت إلى منطقة تجريب للسياسات الاقتصادية
وفيما بعد أصبحت نقطة تحوّل في تفكير الدولة الصينية الحديثة

حضرموت تملك الظروف ذاتها تقريبًا
فراغ سياسي
موقع حيوي
مجتمع منضبط بطبيعته
لكنها تحتاج إلى مشروع دولة لا إلى مشروع قبيلة.

وهنا يأتي دور المملكة :

بين الشراكة والسيطرة الفرق في المنهج
المملكة لا تفرض نماذج على محيطها بل تستثمر في استقراره
حضرموت لا تمثل هدفًا للهيمنة
بل مصلحة مزدوجة
أمن إقليمي من جهة
ونموذج يمني ناجح من جهة أخرى

عبر بناء نموذج إداري في حضرموت تُظهر المملكة أن قوتها لا تُقاس بالحضور العسكري
بل بالقدرة على خلق الاستقرار من دون احتكاك
ومنح السكان نموذج حياة لا نموذج ولاء فقط

حضرموت تطل على بحر العرب
وترتبط جغرافيًا بشرق أفريقيا والهند
ويمكن تحويلها إلى بوابة لوجستية وتجارية
مفتوحة على العالم
ومرتبطة بالسعودية عبر شبكة بنية تحتية وقانونية واستثمارية

وظيفتها هنا لا تنحصر في اليمن
بل تمتد إلى الخليج والمنطقة البحرية الهندية
ما يضيف للمملكة عمقًا جيوسياسيًا غير مسبوق

المملكة دولة مستقرة رؤيتها متقدمة
واقتصادها في حالة إعادة بناء ذكي
لكن حضرموت هي من تحتاج إلى نموذج

وإذا نجحت التجربة فستكون أول قاطرة حقيقية لإعادة بناء اليمن ليس عبر تدخل سياسي بل من خلال خلق نموذج قابل للتكرار في المحافظات الأخرى كما كانت هونغ كونغ نموذجًا ألهم المركز الصيني نفسه في الداخل

بناء الدولة من الأطراف :

في بناء الدول الحديثة لا تبدأ النماذج دائمًا من العواصم
بل من الأطراف المنظمة
الدولة تُقاس بقدرتها على إدارة التعدد والسيطرة على الهوامش دون اللجوء للقوة

حضرموت إذا أُديرت بمرونة سيادية
وفق نموذج محلي بصيغة إدارية خاصة
فستُثبت أن الدولة اليمنية قابلة لإعادة البناء من الخارج إلى الداخل
من المناطق الآمنة نحو المراكز المنهارة.

أخيرًا..
حضرموت ليست مشروع ضم
ولا مساحة جغرافية مضافة
بل نقطة ارتكاز استراتيجية لإعادة تعريف مفهوم الدولة في اليمن
تحت إدارة سعودية واضحة
ورؤية قائمة على بناء نموذج لا على تصدير النفوذ

كما أُديرت هونغ كونغ بقوة التنظيم لا بقوة السلاح
فيمكن لحضرموت أن تُدار بقوة التنمية والربط الإقليمي
وتتحول من منطقة "منسية" إلى نموذج للإصلاح السياسي والإداري في اليمن الكبير

من يحسن إدارة الهامش
هو من يعيد كتابة مستقبل المركز

متعلقات